close

فيما يلي أجوبة الشيخ محمد الحكايمة رحمه الله حياً وميتاً على اسئلة أعضاء المداد عام 2006 وقد أعدنا نشرها للفائدة

 

المقدمة

جملة

 

مواد إعلامية

أخبار هامة

من فروع الشبكة

إعلانات نصية

روابط اعلانية مميزة:
المنتدى
الجامية ملة صنعها البشر
مقدمة إلى فقه الذل والقهر والخنوع صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
بسم الله الرحمن الرحيم
مـقـدمـة فـي فـقــه الـذل وثـقــافـة الـخـنـوع
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله المبتلي لعباده المؤمنين والمُملِي لِعباده المستكبرين الجاحدين ، نحمده تعالى في السرّاء والضرّاء ، ولا نملك إلا حمده وشكره عند كل نِعمة أو بلاء ، سواءً بسواء ، ما أصابنا من نعمة فمن جوده وكرمه ، وما أصابنا من سوء فبما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير ، ونشهد أن لا إله إلا الله ، لا معبود بحق إلا الله ، آمنّا بالله وحده ، وكفرنا بالطاغوت جملة ، ونشهد أنّ محمداً بن عبدالله العربي القرشي رسول من الله إلى النّاس كافة ، بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله المهتدين بهديه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين ...... أما بعد :
فقد حرّرت هذه المقالة دفعاً لواقع يستبسل في هزيمتنا من خلال فقه ذلّ غرَس قابلية الاستعباد في نفوس العامة وكرّسها فعربد الحكام الظلمة , ومن خلال ثقافة أشاعت الخنوع وبرّرته فهانت الأمة أمام أعدائها الكفرة ، وفكرٍ تغريـبي دخيل احتل عقول خاصتنا وعامتنا ـ إلا من رحم الله ـ فعمّم الغفلة ، وحسبي غاية ومقصدا الإشارة إلى معنى قوله تعالى : ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفُرادى ثم تتفكروا ... ) [ سبأ : 46 ] ، فقد ذكر إبن القيم رحمه الله في معنى هذه الآية أن المقصود بالقومــة هو : ( انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغــافلين ) ( تهذيب مدارج السالكين ) ، ولعل الله أن يقيض أحدا من طلاب العلم فيبحث في هذا الموضوع ويتوسع فيه قدر الحاجة فيفيد ويستفيد ويؤجر إن شاء الله ، فلقد حُرّف مدلول الشهادة حتى صار سلوك جلّ ناطقيها يكذّب حالهم ، ومُيّع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغُيّب الولاء والبراء وتفرّد مصطلح الدعوة بالتضخم حتى كاد أن يكون الوحيد في الساحة ، فصار الكل دعاة ، وليس ذلك حبا به بقدر ما هو هروب من تبعات غيره !!! فنحن لا نعرف أحدا من الصحابة أو التابعين التصق بإسمه لفظ داعية كما يلتصق اليوم بجل العاملين في الحقل الإسلامي!!!.
لقد حان الوقت ، ومنذ آماد بعيدة لانزعاج القلوب ، وما زال في الوقت مُتسع للإنتباه ، وما زال في الأمة قدرة على القومة والنهوض برغم عمق الجراح وغزارة الدماء النازفة .
صحيح ، لقد أصابنا الوَهن ( حُب الدنيا وكراهية القتال ) ، فضَعُـفنا فاستـكنّا ، وإنّي مؤذّن في قومي وأهل ملّتي :
إن جيش نفاق من كتبةٍ وعلماء سلطان وغيرهم من أهل دنيا لم يكتفوا بتكريس فقه الذل وثقافة الخنوع ، بل يروجون اليوم ( لإسلامٍ ) أمريكي :
ـ فلا تغادر أذهانكم لحظة واحدة : آيات القرآن عن ملّة إبراهيم وأسوته محمد صلى الله عليه وسلم
ـ لا تغادر أذهانكم سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم : تربية وإعداد فسِيرٌ ومغازي .
ـ لا تغادر أذهانكم صورة مجتمع الصحابة : لُزوم الجماعة ، إتّباع السنة ، إرتياد المساجد ، تلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله .
( وَلَينصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ ، إنَّ اللهَ لَقوي عَزيز ) [ الحج : 40 ] .



عاش الفقهاء الأولون ـ مثال مجتمع التابعين ـ في دولة مركزية واحدة ، لم تكن الركائز الأساسية للمجتمع فيها مهدّدة ، وكانوا حديثي عهد بالفتنة الكبرى ومخرجاتها ، وربما ـ والله أعلم ـ أنّ ذلك كان من أهم أسباب تركيزهم على صيانة دم المسلم والمبالغة ـ إن جاز التعبير ـ في تعظيم قتال الحاكم الظالم والخروج عليه ، حتى حُكي عن إجماع ، وهي أمور يمكن فهمها وقبول تبريرها إلى حدٍّ ما ، ما دامت دولة الإسلام باقية وقائمة تنافح عن الدين وتحفظ لرعاياها أمنهم وكرامتهم ، إنما الطامة ـ فيما بعد ـ غدت في استمرار اجـترار الأقوال والأحكام ذات العلاقة بموضوع الخروج على الحاكم الظالم وإسقاطها على أوضاع جديدة ، قد توالى فيها الخراب على دولة الإسلام ، وهُدِّمت ركائز أساسية للمجتمع ـ كوحدة الأرض والنظرة إلى الدين كشريعة ومنهج حياة ـ وساد الظلم ، وضُيـِّعت قيم الدِّين الحق كالولاء والبراء ، حتى رأينا الحاكم المسلم يستعين بأعداء الدين على خصمه من أهل دينه وملّته ـ كما حدث في الأندلس وفي الشام ويحدث في زماننا المعاصر ، حدث كل ذلك ، وغالب الفقهاء في كل عصر يسقطون أقوال وأحكام فقهاء العهد الأول على العهود الجديدة ، وتم ذلك ولا يزال بترغيب أو بترهيب من سلطان كل عهد ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : ( ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ، ألا إنه سيولّى عليكم أمراء ظلمة فإن أطعتموهم أضلوكم وإن خالفتموهم قتلوكم ، قالوا فبم تأمرنا يارسول الله ؟ قال : كونوا كأصحاب عيسى ابن مريم حُملوا على الخشب ونُشروا بالمناشير فما كان ذلك ليبعدهم عن دينهم شيئا ، لموتة في طاعة الله خير من معصية الله ) رواه إبن أبي الدنيا .
كذلك فإن توافق حاجة كثير من الشعراء لمال أو لجاه ، مع رغبة الولاة في تجميل صورهم وإشباع رغباتهم الأنانية ، كان قد ساعد على تدبيج قصائد في المديح لم يكن مجتمع الصحابة ليسمح بإنشادها ولم تكن نفوسهم لتستسيغها ، كل ذلك ربما هيأ ظروفاً مناسبة لنشوء ونمو وانتشار ما يمكن تسميته بفقه ذلّ وثقافة خنوع ، تمثلت بذرته الأولى بالإكراه على الصمت عن خطأ الحاكم ثم تمخض عنه فيما بعد سياسة قهرية فوقية أسرع ما غدت منهجاً سلوكياً عاماً للحكام ، عنوانها البارز : ( مَا أُرِيكُم إلاّ مَا أَرَى ) ، وتفرعت عن ذلك العنوان مضامين أوحت للناس ضرورة الإلتزام بها وإلا واجهوا البلاء ، وقد تُرجمت تلك المضامين في حياة الناس كما يلي : مزاج الحاكم لا الشريعة ، سلامة الحاكم لا البلاد ، أمن الحاكم لا الوطن ، رفاهية الحاكم وراحتــه لا الشعب ، تعظيم الحاكم وتوقيره والدعوة إلى طاعته ومحبته ، لا تعظيم الله وتوقيره والدعوة إلى دينه وطاعة رسوله ومحبته ، حتى انتهت بنا اليوم إلى فقدان الحرية والكرامة وطناً ورعايا ، ونعيش اليوم مع مضامين تلك السياسة وكأنها مُسلَّمات ، من عارضها أو انتقدها اعتـبر متعدياً على ثوابت ، وبهكذا نهجٍ ، استطاع أن يَحكم المسلمين ملوك وسلاطين ورؤساء وأمراء تميزوا عن بقية أفراد الأمة بما تميزت به ملوك كسرى وقيصر عن شعوبهم ، ونال وينال دعاة الحق في عهودهم ويلات الظلم والعذاب ، وعلى امتداد التاريخ ، تعرّض فقهاء المسلمين ولا يزالون إلى ضغوط كبيرة بهدف ثنيهم عن الصّدع بالحق ، ثبت منهم من ثبت ، ومال منهم من مال ، وسقط من سقط ، لكن فقهاً تبريرياً على شكل تحميل آيات قرآنية غير مضمونها وعزل أخرى عن سياقها ، وتجاوز أخرى لأغراض دنيوية أو تجنباً لأذى ، كان قد ظهر وانتشر ، من أهم أهدافه : منع تصادم الأمة مع حكامها الظلمة ، وتسهيل سيطرتهم على الناس ، فسقطت بالتالي دولة الإسلام وتجزأت أرضها وحكمها النصارى واليهود ، وأصبح المسلم اليوم أهون الخلق على الناس ، فشهد الأولون حياة : العدل أساس الحكم ، وشهدنا نحن حياة الظلم وخـراب الديار ، وربما ما كان ذلك لِيَحدُث لولا ما أشيع في وعي الأمة وكُرِّس من عدم جواز الخروج على أئمة الجور ، مع أن الخروج على أئمة الجور أو الصدع بالحق في وجوههم وعدم الركون إليهم كان من فعل خيار الصحابة وخيار التابعين وخيار فقهاء السلف ، قال ابن حجر : { وهذا ( أي الخروج ) مذهب للسلف قديم ولكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه } . ( أنظر الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلاً عن تهذيب التهذيب ) .
وقد لا يختلف اليوم عاقلان ، أن الأمة باتت تتعايش مع هزائم مُرّة ، توالت عليها ولم تزل ـ ودعـونا من ( أهازيج النصر وأعراس الديمقراطية وأعياد الثورات والاستقلال ) واستعراض زعماء الهزائم لجيوشهم في المناسبات ، فتلك تساليهم ولم تعد تنطلي على أحد ـ ومع ذلك ، فليس المُشكل في الهزائم ، إذ ما من أمة في التاريخ إلا وهي عُرضة لها ، فالتاريخ دول ، بل كم من هزيمة كانت سبباً في استكمال شروط نصر تالٍ ، إنما المشكل فيما يفرزه واقع التعايش مع الهزيمة من فكر وثقافة بل وفقه شرعي أحياناً ، وإنّ قاصمة الظهر ، تكون في عدم توفر الظروف المناسبة لبروز فكر مجابه وثقافة بديلة وفقه صحيح ، حيث أن واقعاً لا يؤبه فيه لصاحب الرأي الصادق والشجاع ، بل يُضيَّق عليه ( أمناً ومعيشة ) ، يدفع بذوي الصدق والشجاعة إلى التواري شيئاً فشيئاً ، لتخلو الساحة لجيش من الجبناء والمنافقين ، تتشكل حلقاتهم في واقع الحياة كما تتشكل حلقات الرقص والفرجة في ساحة الطبول والمزامير ، ولقد بات من الواضح جداً أن سياسة ****ة جرى ويجري تطبيقها في المجتمعـات العربية تحديداً ، هدفها مسخ الناس وصرفهم عن قيمهم النبيلة الموروثة ، وجعلهم أشبه ما يكون بالماشية ، همهم العيش وحسب ، وليس المهم اليوم معرفة من يُطَبقها من الحكام رغبة ومن يطبقها منهم رهبـة ، ما دامت النتيجة واحدة ، لكنها جريمة لا تعادلها جريمة ، أن يُـهيء حكامُ المسلمين أمةَ الإسلام للاستعباد ، وهي في الأصل من اختارها الله لنشر قيم الحرية في الأرض .
نعم .. إن من أصدق التعبيرات عن دين الإسلام أنه دين الحرية والعزة والكرامة ( ... ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) ، وجزيرة العرب ـ موطن الرسالة ـ هي التي كانت المرتع الخِصب لقيم الحرية والعزّة والكرامة ، فلم يكن أهلها ليعدلوا عن تلك القيم بشيء ، تجلى ذلك في قصصهم وقصائدهم :
( لا تسـقني مـاء الحـياةِ بِـذلـة بـل فاسـقني بالعـزّ كـأس الحنـظل
مـاءُ الحـياة بِـذلـة كجـهنـم وجـهنـمُ بالعـزّ أطيــبُ منـزل )
وإلى ما قبل الإسلام لم تتشكل في جزيرة العرب دولة ، برغم ازدهار التجارة فيها ـ باعتبار التجارة من أهم مقومات الدولة ـ ، كون قمع الفرد من ضمن وظائف الدولة ، ولم يكن لذلك قبول ، بل ربما لم يشهد التاريخ لجماعة من البشر ـ كما شهد لعرب الجزيرة ـ أن يبلغ تعظيمهم لقيم الحرية والكرامة مبلغاً ، جعلهم يحتقرون كل مهنة تُعْوِزهم إلى الغير أو تَحُدّ من حريتهم ـ كالزراعة والصناعة ـ هكذا عاشوا ، واستمرت بقيّتهم حتى اليوم ، وهم من يُعرفون بالبدو ، لا يُعِيرون اهتماماً لغير المرعى ، ولا يُجِيدون سوى الغزو ، أحرار طلقاء ، لا تحبسهم دار ولا يلهيهم بستان ، ولا يَسُود فيهم إلا الشجاع الكريم الحكيم .
وعندما ظهر الإسلام لم يزد هذه القيم إلا بعداً سامياً وعظيماً ، وإنه لَحريّ بالباحـثين الغوص في بحر ألف سنة ونيف إلى الخلف لمعرفة ما الذي حدا بهذه القيم أن تتراجع ، وتبرز إلى السطح ـ باسم العقل وفهم الواقع ـ قيم الذل والخنوع ، لتُصبح اليوم زاد العربي فقهاً وثقافة ؟ بل يُنعت الرافض لقيم الذل والخنوع بالغلو والتطرف ، مع أنه يقف في صراع مع الباطل وشياطينه في مشهد صارخ الوضـوح .
محاولة لتلمس الخلل : لقد دفع حبُّ العدل العربَ ( في الجاهلية ) إلى تأسيس حلف لنصرة المظلوم سُمِّي ( حلف الفضول ) ، وسمي فضولا كونه يوجبُ على المشترك فيه دفع الظلم عن غيره ، ويتحمل تبعات النصرة ، فإذا كان ذاك هو حال العرب في الجاهلية ، ففي أي قاع تَخنع الأمة اليوم وقد أرسل الله إليها رسولاً بيّن لها صراطه المستقيم وتركها على المحجة البيضاء لَيـلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ؟؟؟ ، وجعل لها مجتمع الصحابة بقيمه السامية العظيمة مرجعاً تقيس به الميل والإعوجـاج ، ولا غرو ، فأولئك كما قيل : قوم اصطفاهم الله لصحبة خير خلقه .
وعندما انتقل نبي الله إلى جوار ربه ، رأينا كيف تعامل خليفتُه مع رعاياه ، وكيف استمرت قيم العدل والعزة والإباء التي لم يزدها الإسلام ـ كما قلنا ـ إلا ترشيداً وبهاء : ( أيها الناس فإني قد ولـّيت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيـــف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، فإني متبع ولست مبتدعا ) . ( أنظر الخلافة والملك للمودودي نقلا عن الطبري وابن هشام وكنـز العمال ) .
هل يستطيع عباقرة الكتابة والكلام إيجاز برنامج سياسة عامة لدولة كما أوجزه أبو بـكر الصديق رضي الله عنه ؟؟ ، ( وُلّـيت عليكم ولست بخيركم ... ) !!! وقد سمعنا في هذا الزمان النكد حاكماً يقول أنه لو وَجَد شخصاً مناسباً للرئاسة لرشحه ، لكنه لم يجد !!! أي أنه هو الأفضل والوحيد ، يقول ذلك عن نفسه ...!! ويلحظ المتأمّل حكمة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في حسن التصرّف وجمال الأسلوب والحرص على كيان الدولة الوليدة وعدم جعل الأمر وراثة ، فقد جمع الناس في المسجد وقال لهم : ( أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي ولا ولّيت ذات قرابة ، وإني قد أستخلف عمر ابن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، فقالوا سمعنا وأطعنا ) ، ( الخلافة والملك للمودودي نقلاً عن الطبري : تاريخ الأمم والملوك ) .
ولم يوص أي من الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم ـ أمر الخلافة إلى أي من قرابتهم ، فكان ذلك هو الأصل ، لكننا برغم ذلك نعيش ومنذ أكثر من ألف عام حياة توريث الملك والد لولد ، مع أن ذلك هو الخطأ الطارئ ، ولا نرى جُلّ علماء الدين ـ للأسف ـ إلا مُسوّغي ومخترعي أدلة لتثبيت الخطأ واستمراره .
وتستمر قيم العزة والإباء في مجتمع الصحابة : ( سأل عمر الناس يوماً : أرأيتم لو ترخصـت – أي لو تهاونت – في بعض الأمور ، ما كنتم فاعلين ؟ قال بشر بن سعد : لو فعلت ذلك لقوّمنـاك تقويم القدح ، فرد عمر : أنتم إذاً ، أنتم إذاً ) ، ( الخلافة والملك للمودودي ، نقلاً عن كنـز العمال ) ، والقدح هو السهم قبل تسويته ، هكذا يحرص القائد على عزة وإباء رعيته ، لأنه يعرف جيداً الفرق الكبير بين أن يكون قائداً لأحرار أو قائداً لعبيد ، أما اليوم فحدِّث عن إذلال الرعية من قبل حكَّامها ولا حرج ، حتى أن المتأمل في هذه المسألة لَيجد صعوبة في تصور أن يكون حكام هذه الأمة من أبنائها .
وكذلك كان شأن الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما ، واجها كلّ نقد برحابة صدر ، سمع الناسُ كلَّ نقد وُجِّه إلى عثمان ، فلم يُعتقل أحد ولم يفتك بأحد ، وكان قادراً ، بل لقد بلغ مدى رحابة صدر عليٍّ رضي الله عنه أن استمع إلى اعتراضات الخوارج ، وأرسل من يناظرهم ، ولم يقل عنهـم كفار ، بل قال : ( من الكفر فروا ، وإخوة لنا بغوا علينا ) ، هل بعد هذا تسامح مع بغاة خرجوا على إمام عادل كريم ؟ واليوم إذا ما ثارت نفسٌ أبيّة في وجه حُراس اليهود وخدم النصارى ، بادر فقهاء السلاطين بفتاويهم ، مهدرين بها دماء الأحرار بحجة الحرابة والخروج على أولي الأمر !!!!
 
كيف بدأ الخلل ؟ :
قبل البداية ، أجد من الضرورة الإشارة إلى أمر هام ، ألا وهو أننا في تناولنا لهذا الموضوع الشائك جداً ، نحتكم إلى نصوص تاريخية كما وردت في مواضعها وبمعزل عن أصحابها ، وعليه فإنني أبرأ إلى الله من أن أتعرَّض لأيٍّ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء ، إنما هي نصوص أجاز لنا الشرع الحكيم رفضها أو قبولها بعد عرضها عليه ووزنها بميزانه .
نقل الشيخ أبو الأعلى المودودي ـ رحمه الله ـ في كتابه ( الخلافة والمُلك ) ما يلي :
{ لما مات زياد عام 53 هجرية قرر معاوية أن ينصّب يزيد وليا لعهده ، وطفق يستميل إلى ذلك رأي ذوي النفوذ والتأثير في الأمة ، ومن ذلك أنه أرسل لعبد الله بن عمر مائة ألف درهم أراد بها أن يسترضيه ليبايع يزيدا ، فقال عبد الله بن عمر : ( هذا أرادَ أن ديـني عندي إذن لرخيص ) ، ورفض أن يأخذها . ( ابن الأثير جـ 3 والبداية جـ 8 ) ، بعد ذلك كتب معاوية إلى مروان بن الحكم والي المدينة يقول له : إنني كبُرت سنّي ودقّ عظمي وأريد أن أستخلف خليفة في حياتي ، فاسأل الناس ما قولهم في ذلك ؟ فعرض مروان الأمر على أهل المدينة فاستحسنوه ، فكتب له معاوية بعد ذلك : أني قد استخلفت يزيداً ، فعرض مروان ذلك على أهل المدينة وخطب في المسجد النبوي فقال : إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد أمراً حسناً ، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمراً ، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر وقال : كذبت يا مروان وكذب معاوية ، ما الخيار أردتما لأمة محمد ولكنكم تُريدون أن تجعلوها هرقلية ، كلما مات هرقل قام هرقل ، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا من أهل بيته , فقال مروان : خذوه فهو الذي أنزل الله فيه : ( وَالذي قَالَ لِوَالِديه أُفٍ لَـكُمَا ... ) ، [ الأحقاف ] ، ففر سيدنا عبد الرحمن ولجأ إلى حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها ، فلما علمت بذلك صاحت : ( كذب مروان ، والله ما نزلت فيه ، إنما نزلت في فلان بن فلان ولوشئت أن أسميه لسميته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه ) .
وكما رفض عبد الرحمن بن أبي بكر ـ في ذلك المجلس الذي عقده مروان ـ قبول يزيد ، رفضه كذلك سيدنا الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين . ( جاء ذكر هذه الواقعة باختصار في البخاري في تفسير سورة الأحقاف ونقل تفاصيلها ابن حجر في فتح الباري ) .
حينئذ طلب معاوية وفودا من مختلف الولايات ثم عرض عليهم الأمر ، فأخذ الناس يردون عليه بخطب الترحيب إلا الأحنف بن قيس الذي سكت من دونهم فقال له معاوية : ما تقول يا أبا بحـر ؟ قال : ( نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا ، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضا فلا تشاور فيه ، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صـائر إلى الآخرة ، وإنما علينا أن نقول سمعنـا وأطعنــا ) . ( ابن الأثير جـ 3 والبداية جـ 8 ) ، أخذ معاوية البيعة ليزيد من العراق والشام والولايات الأخرى ، ثم توجه بنفسه إلى الحجاز وهي أهم وأكبر وكان فيها اهل النفوذ وذوو التأثير في العالم الإسلامي ممن كانت تُخشى معارضتهم ، فلقيه الحسين ابن علي وابن الزبير وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ـ خارج المدينة ـ فقابلهم مقابلة جافة وأغلظ لهم فتركوا المدينة إلى مكة فسهل بهذا أمر المدينة على معاوية ، ثم توجه من بعد ذلك إلى مكة فدعا نفس هؤلاء الصحابة الأربعة خارج مكة وأحسن معاملتهم ـ على عكس ما عاملهم في المدينة ـ ولاطفهم وصانعهم ودخل مكة في صحبتهم دون سواهم ، ثم انفرد بهم وحاول استرضاءهم ليبايعوا يزيد ، فقال له عبد الله بن الزبير : نُخيّرك بين ثلاث خصال : تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحداً ، فارتضى الناس أبا بكــر ، أو تصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريـش ، ليس من بني أبيه ، فاستخلفه ، أو تصنع كما صنع عمر ، جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه ، فسأل معاوية باقي الصحابة : فأنتم ؟ قالوا : قولنا قوله , قال معاوية : فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم بمقالة ، فأقسم بالله لئن ردّ علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حنى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه ، ثم نادى رئيس حرسه وقال له : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد منهما سيف ، فإن ذهب رجل منهم يرد عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما ، ثم دخل بهم المسجد وأعلن في الناس : إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتر أمـر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله ، فلم يبق ثمة موضع لاعتراض الناس ، وبذا أخذ البيعة ليزيد من أهل مكة أيضا . ( ابن الأثير جـ 3 )
هكذا قُضي على نظام الخلافة الراشدة قَضاءً مُبرماً وأخذت العائلات الملكية مكان الخلافة ، ومن بعدها وإلى يومنا هذا لم تقم للمسلمين خلافة يرضونها ، أما معاوية فمحامده وأفضاله معروفة وعلى العين والرأس ، وشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجب الاحترام ، ونحن لا ننكر فضله في توحيد العالم الإسلامي تحت راية واحدة من جديد ، وتوسيع دائرة نفوذ الإسلام في العالم أكثر من ذي قبل ، ومن يطعن فيه فقد تعدى وتطاول ، ولكن يجب أن نقول ـ ونقول فحسب ـ عن خطئه أنه أخطأ ، لأن اعتبار خطئه صواباً معناه أننا نُعرِّض مقياس الصواب والخطأ إلى خطـر كبير } . ( انتهى الاقتباس من كتاب الخلافة والملك للمودودي ) .
والقارئ المتأمل في التأريخ والواقع المعاصر سيخلص إلى نتيجة مفادها أنّ إكراه الناس على الصمت هي المقدمة لغرس قابلية الاستعباد في الناس فالمسخ ، ذلك أن ما يُميز الإنسان عن سائر المخلوقات هو أنّه حيوان ناطق ذو إرادة حرّة ، فإذا ما مُنع من استخدام لسانه في القول لجأ إلى التفكير باستخدام يديه بالأفعال ، فإذا قُمع لجأ إلى الصّمت ، ولكن مصحوبا بتشوّه في صفاته الإنسانية ، إلا من رحم الله .
ويلحظ المتأمل في مواقف الصحابة رضوان الله عليهم جرأتهم في الوقوف مع الحق بالفعل والقول ، فقد بيّنت لنا كتب التأريخ كيف أنهم لم يستكينوا بل بذلوا أرواحهم في سبيل نصرة الحق حيث مصلحة الدين التي تعلو على ما دونها من مصالح ، وإنني لعلى يقين من أن أولئك الفقهاء الذين لم يُجيزوا الخروج على أئمة الجَور حقناً لدماء المسلمين ، أنهم لو عرفوا ما ستـؤول إليه أمور المسلمين من بعدهم لتبرؤوا من قولهم ، فقد ذهب أئمة الجور بالدين ولم تحقن دماء المسلمين بل ذهبت بأرخص ما يكون ، ولقد تمثّل الأمر الأدهى والأخطر في إدخال مسألة الخروج على الحُكام الظلمة في كتب العقائد ، فكان ذلك من أهم أسباب قَبول الناس لظلم حجاج بني أُمية وسفاح بني العباس وقَبول ذُلِّ التتار والمغول ، حيث قيل أن أحدهم كان يلقى الجماعة من المسلمين فيأمرهم بالانتظار ريثما يذهب ويأتي بسيفه ليقتلهم ، فينتظرون ليُقتلون !!!! وتلك حالة نعيشها اليوم أقطارا !!!! ولو رسمنا خطاً بيانياً لسياسة الحكام الظلمة في إذلال الناس وهضمهم حقوقهم منذ بداية التراجع ومروراً بما سبق ذكره ، ثم انتهاءً بعهود الاسنعمار و( أبطال التحرر والاستقلال ) لوجدناه مُستمراً بالهبوط الحاد تُزيِّن هبوطه ( ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ... ) .!!! ( العقيدة الطحاوية ) ، ولقد بلغ الأمر مداه انحطاطاً ، حينما اعتبر بعض فقهاء المسلمين حكام التتار والمغول والإنجليز والفرنسيين والطليان أولئك الحكام ولاة أمر !! لا لشيء إلا لأنهم يحكمونهم !!!.
قد يقول قائل أننا أغفلنا نصوصا محكمة من الكتاب والسنة في وجوب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم والدعاء لهم ... إلخ ، فنقول : إنّ ما جاء بهذا الخصوص من نصوص صحيح ، لكنها تتعلق بأئمة العدل لا بأئمة الجَور ، فقد يُستساغ الصبر على إمام يُؤثر نفسه بشيء من الأمور الدنيوية الخاصة ، أما تنـزيل تلك النصوص على أئمة الجور فبعيد عن الحق ، ولا عبرة بما نُقل عن إجماع في تحريم الخروج ولو كان الناقل من وزن الإمام النووي وابن حجر رحمهما الله ، أولاً : لأن الإجماع بعد الصحابة أمر مُختـلف فيه ، ولو افترضنا ثبوته : كيف يُستساغ إجماعٌ على أمر خالف فعل الصحابة ولم يجمعوا عليه بل أجمعوا على نقيضه ؟ بحسب قول ابن حجر نفسه ( أن الخروج مذهب للسلف قديم ) ، وثانياً : لأنهما – النووي وابن حجر – قد خالفا من هم أوزن منهما وأقدم ، من كبار أئمة الأمة وأعلام الإسلام .
يقول الإمام الجصاص { وهو حنفي المذهب كما الطحاوي ، وقد توفي بعد الإمام الطحاوي صاحب العقيدة : ( ولا نخرج على أئمتنا وولاة أمُورنا وإن جاروا !! ) بحوالي خمسين عاماً } يقول عن الإمام أبي حنيفة : ( وكان مذهبه رحمه الله مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور ) , ( الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلاً عن أحكام القرآن للجصاص ) ، فمن أين للطحاوي – رحمه الله – هذا التقعيد ؟ . وما هو السرّ في أن تكون عقيدة مُتبع لأبي حنيفة ـ وهو الطحاوي ـ مخالفة لعقيدة صاحب المذهب نفسه ؟ ، بل لقد أغلظ الإمام الجصاص القول فيمن أنكر على أبي حنيفة مذهبه في الخروج على أئمة الجور فقــال : ( وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تَغلب الظالمون على أمور الإسلام ) ـ نفس المصدر السابق .
( وقد نقل الإمام الذهبي والموفق ابن أحمد المكي قول أبي حنيفة أنّ : أيّما إمام غلّ ـ يعني استخدام خزانة الدولة بطرق غير مشروعة ـ أو جَار في حكمه ، بَطُلَت إمامته ولم يَجـز حكمه ) ، ( الخلافة والملك نقلاً عن أحكام القرآن للجصاص ) .
( ولقد ساعد الإمام أبو حنيفة زيداً في خروجه هذا ـ على الوالي الأموي ـ وأمده بالمال ، وكان ينصح الناس ويأمرهم بالوقوف إلى جانبه ، وشبّه خروجه بخروج رسول الله صلى الله عليه وسـلم في بدر ) ـ نفس المصدر ، ثم ما كان من موقفه في مساندة ثورة محمد بن عبد الله المُلقب بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم عام 145هـ ، فقد كان أبو حنيفة ( ينصح الناس ويحثهم على مبايعة ومساندة إبراهيم بن عبد الله أخي النفس الزكية ، وأفتى بأن الخروج معه أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة ، بل لقد قال لرجل اسمه أبو إسحق الفزاري : مخرج أخيك أحبّ إلي من مخرجك ، ـ يعني مساندة أخيك لإبراهيم بن عبد الله أفضل من جهادك الكفار ، وقد نقل لنا أبو بكر الجصاص والموفق المكي وابن البزاز ـ صاحب الفتاوى البزازية ـ وهم من أجلة الفقهاء ، أراء أبي حنيفة هذه ومعناها الواضح الجلي أنّ الجهاد لتخليص النظام الداخلي للمجتمع المسلم من سطوة القيادة المنحرفة ـ عند أبي حنيفة ـ أفضل من قتال الكفار خارج المجتمـع المسلم ) ـ ( الخلافة والملك نقلاً عن الكردري والمكي والجصاص ) .
هذا باختصار موقف إمام من كبار أئمة الإسلام ومن رعيل القرن الأول ، وأول من دوّن الفقه .
{ كذلك حين ثار عبد الرحمن بن الأشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج الظالمة وقف إلى جانبه ـ آنذاك ـ أكابر الفقهاء أمثال سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وأبي البختري ، ويذكر ابن كثير أن فرقة عسكرية من القُرَّاء ( يعني العلماء والفقهاء ) وقفت معه ولم يقل واحد من العلماء الذين قعدوا عن القيام معه أن خروجه هذا غير جائز ، والخطب التي ألقاها هؤلاء الفقهاء أمام جيش بن الأشعث تترجم نظريتهم ترجمة أمينة ، قال بن أبي ليلى : ( أيها المؤمنـون إنّه من رأى عُدْواناً يُعمل به ومُنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونُور في قلبه اليقين ، فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحـدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه ) .
وقال الشعبي : ( يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج في قتالهم ، فوالله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم ، فليكن بهم البدار ) .
وقال سعيد بن جبير : ( قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين ، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة )} . ( الخلافة والملك نقلاً عن الطبري ) .
( أما الإمام مالك فقد روى ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبد الله بن الحسن الذي خرج سنة 145هـ ، فقيل له : فإن في أعناقنا بيعة للمنصور ، فقال : إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة ، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك ولزم مالك بيته ) . ( الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلاً عن البداية والنهاية لابن كثير ) .
( وقال القاضي أبو بكر بن العربي : قال علماؤنا في رواية سحنون : إنما يقاتل مع الإمام العادل سواء كان الأول أو الخارج عليه ) . ( المصدر السابق نقلاً عن أحكام القرآن لابن العربي ) .
( ومما يؤكد أن مذهب مالك هو الخروج على الظالمين من الحكام أن تلميذه الفقيه يحي بن يحي الليثي أحد فقهاء الأندلس وقرعوس بن العباس كانا فيمن خرجوا على الحكم بن هشـام بن الداخل سنة 202هـ ) ، ( وقال إمام الحرمين من الشافعية : وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينـزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب ) . ( نفس المصدر نقلاً عن سير أعلام النبلاء للذهبي ) .
( وممن ذهب إلى جواز الخروج على الإمام الجائر من الحنابلة : إبن رزين وابن عقيل وابن الجوزي خلافاً لما عليه المذهب ) ( نفس المصدر نقلا عن صحيح مسلم بشرح النووي ) .
( ومن العلماء الذين خرجوا : أحمد بن نصر الخزاعي الذي ساءه ما رآه من انحراف الخلافة وإظهار الفسق فقام بدعوة سرية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الخليفة لبدعته وفسقه ). وقد قال الإمام أحمد في ابن نصر بعد مقتله : ( رحمه الله .. ما أسخاه لقد جاد بنفسه له ) . ( الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلاً عن البداية والنهاية لابن كثير ) .
( وقبل أحمد بن نصر خرج الحسين بن علي رضي الله عنه على يزيد بن معاوية ، وخرج ابن أبي ليلى والفقهاء والقرّاء بالكوفة مع بن الأشعث على الحجاج ، وخرج الإمام زيد رضي الله عنه وأيّد خروجه أبو حنيفة كما سبق ) . ( نفس المصدر ) .
ولم يقل أحد أن الاختلاف بين الحسين ومن معه وبين الآخرين من الصحابة ـ كابن عباس ـ كان حول جواز الخروج أو عدم جوازه ، بل كان اختلافاً حول التدبير والتخطيط .
وإذا كان موقف الإمام أبو حنيفة يتفق وموقف جلّ الصحابة ، وهو من مواليد القرن الهجري الأول ( 80هـ ) والطحاوي من رجال القرن الهجري الرابع ( توفي سنة 322هـ ) والنووي من أعلام القرن الهجري السابع وابن حجر من أعلام القرن الهجري التاسع ، تبين لنا أثر السلاطين في تردي الفقه الإسلامي مع مرور الزمن في مسألة هي من أهم مسائل الحياة ( حق الأمة في اختيار أو عزل من يحكمهـا ) فسُلب ذلك الحقُ حتى صار السلب نصاً في ( عقيدة ) أهل السنة والجماعة !!!
ما الذي يُفسر لنا سرّ انتشار رأي الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ في عدم جواز الخروج على أئمة الجور برغم مخالفته لموقف إمامه أبي حنيفة وأئمة سبقوه سوى أن أئمة الجور قد تلقوا عقيدة الطحاوي بحفـاوة بالغة ؟؟ فنمّوها ورعوها حتى أزهرت وأثمرت ؟؟!!.
لقد وفّرت هذه العقيدة للظلمة بيئة مناسبة للعربدة والطغيان فضاع الدين وتجزّأت أرض الإسلام واستُلبت ثروات المسلمين وفقد المسلمون حريتهم وعزتهم وكرامتهم فهانوا على الأمم ، ولم تحقن دماء المسلمين التي كانت الباعث في الإجماع المزعوم ، بل سالت وتسيل إلى يومنا هذا أنهاراً !!!.
( فكم من دماء سفكت وأعراض انتهكت وأرض للمسلمين ضاعت بسبب ترسّخ الحكم الوراثي ؟؟ حتى أصبح حكم الظالمين والفاسقين هو الأصل عندنا ؟؟!!! ففي القديم ضاعت الأندلس وأخرج من فيها من المسلمين وقد كانوا بالملايين , وتم تنصير من بقي منهم , وسقطت بغداد على يد التتار وقتل أهلها حتى قيل أن عدد القتلى فيها بلغ المليونين والخليفة قبل مجيء العدو غارق في مجالس اللهو بين الكؤوس والجواري اللاتي بلغ عددهن في قصره ألف جارية !!! وفي عصرنا : من الذي باع فلسطين لليهود غير القادة العرب ؟؟ وكم من النفوس زهقت منذ بيعها حتى الآن ؟؟ لقد أُقرّ اليهود على اغتصابهم لأرض المسلمين وأصبحت لهم حلالاً طيباً ، ورفعت بعض الأنظمة الحاكمة حتى شعار الأرض مقابل السلام الذي يعني حسب أعراف القانون الدولي ملكية اليهود لفلسطين على التأبيد ، والقائمون بالبيع من الحكام العرب متكفلون بقطع كل يد تمتد لليهود بسوء وبقطع كل رأس يفكر في ذلك , هذا غير ما ترتب على وجود هذه الأنظمة من قتل معنوي لدين الشعوب التي تحكمها ووأد بطيء للقيم والأخلاق الإسلامية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة التي تمتلكها الدولة والهيئات المعادية للتوجه الإسلامي ) ، ( الدولة الإسلامية للبشير أحمد ) .
إن كل العلماء الرسميين يستدلون ببعض الآثار الصحيحة على عدم جواز الخروج مثل : ( .... لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ) و : ( ..... إلا أن تروا كُفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ) ، وغيرها ، فنقول : هل غابت تلكم النصوص عن السلف الأول ؟. الإجابة هي النفي قطعاً ، إذاً هم فهموها على غير ما فهمها المتأخرون . وللتدليل على أن حكم أئمة الجور قد ساعد على تكريس مفاهيم جانبت الصواب في مسألة الخروج ، دعونا نتأمل في المسألة التالية : في الحديث الشريف الذي نهايتــه ( ... إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ) ، برغم ورود كلمة الكفر فيه بصيغة التنكير والتي تعني أنه كفر أصغر غير مُخرج من الملّة ، وبرغم ورود الحديث في روايات أخرى بألفاظ غير الكفر ( إثم ومعصية ) فإن بعض الفقهاء المتأخرين قد جعلوه الكفر الأكبر المخرج من الملة المبرهن عليه بنصّ واضح لا لبس فيه !!! وعلى نفس السياق ـ موافقة لهوى الحكام ـ جعلوا لفظ الكفر بصيغة التعريف في آية المائدة : ( .... وَمَنْ لَم يَحكُم بِمَا أنزَل الله فَأولَئِكَ هُم الكافرون ) جعلوه كفراً أصغراً غير مخرج من الملة !!!
ولا يحتاج الأمر إلى طول عناء للفهم إذا ما عُرف صلة كل ذلك بالحاكم ، فهذا الفقه يقول للمسلمين : إياكم والخروج على الظلمة حتى لو شاعت المنكرات وحُكم فيكم بغير ما أنزل الله ..!!! أما آيات القرآن الكريم التي تحث على عدم الركون إلى الظالمين , وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لتأخذنّ على يد الظالم .... ) ، و ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر ... ) ، وغيرها وغيرها ، فكأنها خصّت الصحابة فقط وليس من يأتي بعدهم !!!.
وإذا كان المرء لا يملك أدنى حق في اتهام الإمامين العظيمين ( النووي وابن حجر ) بل يُعدّ ذلك تطاولاً، و ينشرح القلب في التماس العذر لهما ولغير هما من العلماء الأكابر الذين عاصروا العهد المملوكي ولم يحرّضوا على الخروج، فقد واجهت الأمة أعداءها من المغول و التتار و الصليبيين بقيادة المماليك، ولم يكن التعرض للسلطان يحسب حينها إلا شقا للصف، فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة للعلماء الرسميين القريبين من الحكام الظلمة منذ الانحراف الأول حتى يومنا هذا . لقد سكت أولئك العلماء على تجاوزات حكام يقاتلون أعداء الدين، فكيف يسكت علماء عن ظلم حكام يقاتلون أهل الدين ؟ وتحت أي مسوّغ ؟!
ماذا يتبقى من الدين إذا انتشرت المنكرات وحُكِم بغير ما أنزل الله ؟ وأيّ توحيد وعبادة في ظل تصالح مع المنكرات وحكم الطاغوت ؟. إن الله حينما أمر المَلَك بخسف القرية قال عن العابد الناسك : به فابــدأ . إن الإسلام قد أرسى قاعدة عظيمة للحياة الحرة الكريمة ، تلك هي دعوته أتباعه إلى الوقوف مع الحق والعدل ( وهما من أسمائه الحسنى ) وكتب الله على المؤمنين القتال بعد استنفاد الوسائل السلمية ونصّ على أنه كره لهم ، لكنّ فيه الخير الكثير ( ... والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . فإن قيل : هذا في قتال الكفار قلنا فكيف بـ ( ...وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) ؟؟.
إن المقاتلة في سبيل الحق تترك في شخصية المقاتل أثراً إيجابياً واضحاً ، فالمحارب الشجاع ينظر إلى الأمور بعين العدل لأنه يعرف تبعات القتال ، على عكس القاعد الجبان الذي يتمادى في ظلمه وغيّه مادام راكناً إلى غيره ومحميا به وبعيداً عن أيّ أذى يصيب نظامه كحالة حكام المسلمين اليوم .
وبالنظر إلى تاريخ الأمم نجد أنّ العدل ما ترسّخ إلا بالدماء ، فهاهي أمم أوروبا لم تشهد هذا الاستقرار إلا بعد حروب طاحنة أكلت الملايين منهم لكنها أثمرت تسليماً بالمساواة في المواطنة وقضت على تسلّط حكم الفرد والكنيسة .

أورد الشيخ علي بلحاج ( فكّ الله أسره وفرّج عنه ) في كتابه : ( فصل الكلام في مواجهة ظُلـم الحكام ) الآثار الوخيمة لعدم القول بجواز الخروج على أئمة الفسق ما يلي : { إنّ القول بعدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة مطلقا قول خطير على كيان الشعوب الإسلامية ، فهو تغليب للظالمين على سواد الأمة الصالحة وذوبان كيانها أمام فرد متسلط غاشم أو طغمة طاغية متجبرة ، وقد أدّى هذا القول إلى ضمور الفقه السياسي ذاته ، قال الجصاص في أحكام القرآن ج1/87 : إنما أنكره عليه ( الخروج على الأئمة الظلمة ) أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام ) ، قال محمد الجعلود في الموالاة ج2/517 : ( إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد ، حيث يُفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو تمييز كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية ، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ... ) ، وقال مبيناً كيف تأثر الغرب بالمسلمين وأخذوا ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه ، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك أو أن يُلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة ، وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام ) ، ولكن للأسف الشديد أن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى ومهما أباح وحرّم ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي ، وهذا القول ـ بحمد الله ـ لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين ، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفاً من ظلمات السجن وأعواد المشانق فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقاً أنها تنال رضا الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه ، ولقد وجد الطغاة جمهوراً من علماء النفاق ووعّاظ المسكنة الذين زيّنوا للطغاة انحرافهم وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤونة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مُشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية ، وهؤلاء الذين يتـزينون بزي العلماء وهم كمثل ال**** يحمل أسفارا قد جرّوا على البلاد الإسلامية مفاسـد كثيرة لا تُعد ولا تُحصى ، وفيهم يقول ابن المبارك رحمه الله :
وهـل أفـسـد الـديـن إلا الـمـلـوكُ وأحـبـار سـوء ورهـبـانـُهـا
قال ابن حزم الأندلسي في الفصل 4/173 : ( ولئن قال بعضهم إن في هذا القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار ، فيقال لهم لو كان فوق ما ذكروه مانعا من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعا من جهاد أهل الحرب وهذا ما لا يقوله مسلم ) .
قال الغزالي في كتابه ( كيف نتعامل مع القرآن ) ص ( 90 ) : ( الذي أشعر به من قديم أن فساد الحكم في العالم الإسلامي له جذور ضاربة في التاريخ ، وأن سطوة الحكم الفردي كان من وراء لا أقول ضمور الدراسات القرآنية بل من وراء ضمور الفقه نفسه ، فالفقـه تضخّم حيث يجب أن يكون ضعيفـاً ، الفقه الدستوري هو الذي جعل الأوروبيين يبحثون وراء سلطة قضائية وسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية أو هو الذي جعلهم يبحثون عن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم ، هذا الكلام يكاد يكون ميتاً عندنا بعد الخلافة الراشدة ، لأن سطوة الحكم هي التي ألجمت الأفواه وجعلت الكلام في فقه العبادات يبدي ويعيد وجعلت الكلام في كل ما يبعد عن الحاكم ) .
وقال : ( وإلى الآن فقه العمل والعمال يستورد من الخارج للأسف ، فقه الإدارة والفقه الدستوري يكاد يكون وجودنا فيه الآن صفرا ، ومع أن تلامذة أبي حنيفة هم أول من كتب في الفقه الإداري والفقه الدولي ومع أن رجالا من أئمتنا منهم ابن تيمية نفسه تحدثوا حديثا عظيما في شمولية القرآن بالنسبة إلى المنطق والسياسة إلا أن واحدا كابن تيمية قضى حياته في السجون ، والذين يريدون أن يشتغلوا بالإصلاح إذا وجدوا أن السجن هو الذي يقضون به حياتهم فإن عددا كبيرا منهم سيبقى بعيدا عن المخاطرة ، الناس ألفت أن تعيش حيث وجدت حفاوة الجماهير أو أوقاف الخير تدرّ عليهم عيشاً ليعيشوا بها ) ، وقال ص ( 95 ) منه : ( محاولة إصلاح الحكم عندنا تأثرت بعقدة ( صفين ) أولاً وتأثرت ثانياً بما يشاع من أحاديث وأحكام كثيرة تسوّغ الظلم وتجعل الخروج على الحاكم كأنه الكفر أو دونه الكفر وهذه مسألة خطيرة في تاريخنا ، بينما وجد الإنجليز تصحيح مسار الحكم عندهم بقتل الملك واستقرّت الديمقراطية عندهم ، الفرنسيون فعلوا الشيء نفسه ، قتلوا لويس السادس عشر . أنا لا أدعو للقتل إنما عندما تكون الشعوب في سجن وضعها فيه الحاكم فمن حقها أن تكسر السجن وتقتل السجّان ... ) .
وقال أيضا : ( فالفساد السياسي عندنا له أثر أكبر من غيره ولذلك أحبّ أن يلتفت المسلمون إلى الفساد السياسي الذي سيعيق نهضتهم ما بقي هؤلاء الساسة المستبدون وما بقي حكم الفرد والاستبداد السياسي ) . وقال : ( أرى أن غيرنا استطاع على عجل أن يحلّ إشكاله ولو بالسيف ، والإنجليز والفرنسيون والأمريكان عانت الجماهير من الحكم والاستبداد فقاومته ... لذلك أنا أرفض الاغتيال السياسي لأن الاغتيال يدلّ على شجاعة فرد وجبن أمة ، ولذلك يذهب من يُغتال ويجيء بعده من يكون أسوأ منه أو مثله وانتهى الأمـر ... لم يصنع هذا الغربيون عندما استأصلوا الجرثومة من أساسها بثورات كبيرة ) .
من خلال هذا العرض الموجز ندرك حجم خطورة القول بعدم جواز الخروج بالفسق مطلقاً ، والواقع أكبر شاهد على ما تعانيه الأمة الإسلامية عندما مكنت لفرد مستبد أو فئة لتتحكم في مصيرها بالأهواء والشهوات قسراً عنها } . ( انتهى الاقتباس من كتاب الشيخ علي بنلحاج : فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام ) .
إن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإتباع لا الإبتداع ، وإن الفهم السديد للدين هو فهم السلف الأول صحابة رسول الله ـ رضوان الله عليهم ومن سار خلفهم واقتفى آثارهم ، وليس من حق أحد مهما كَـبُر اسمه وعلت مكانته أن يخطّئهم أو يرى غير ما رأوا ثم يدّعي أنه ينهج منهج السلف الصالح الأول ، فلم يكن أحد منهم ليداهن في الحق ، حتى أن امرأة وقفت في وجه عمر ، ولعل إصرار الإمام الحسين رضي الله عنه على الاستشهاد يوم كربلاء وخروج رفيقه عبد الله ابن الزبير على بني أميّة وقتاله لهم حتى الموت كان تكفيراً عن رضوخهما لتهديد معاوية رضي الله عنه حينما قدم المدينة لأخذ البيعة لابنه يزيد .
لقد تواجه الصحابة رضوان الله عليهم وأشهروا السلاح في وجه بعضهم البعض وقُتل منهم الآلاف لمجرد خلاف كان كل طرف يرى الحقّ في صفّه ، فالإمام علي رضي الله عنه ومن معه كانوا يرون التمهّل واستقرار الأمور كي يتمكّن من القصاص من قتلة سيدنا عثمان ، بينما كان الجانب الآخر من الصحابة يرى القصاص أولاً ، بينما نرى اليوم علماء السلاطين ينكرون الخروج على وليّ الأمر الظالم الفاسق ، ويعتبرونه الحاكم الشرعي مهما تمادى في ظلمه وغيّه ، لكنهم إذا ما أطيح به سارعوا إلى اعتبار الجديد ولياً للأمر شرعياً ، ولا تجد أحداً منهم يطالب مجرد المطالبة بالتحقيق في مصير من كان في نظرهم بالأمس ولي الأمر الشرعي ، وهكذا دواليك ومنذ أمد بعيد ...!!! بل لقد أصبح الوضع اليوم وكأن أمر من يحكم المسلمين لا يعني علماءهم على الإطلاق ، فأين الإقتداء بالسلف ؟؟؟.
إن تاريخ كل الحضارات يشهد بأن بداية فسادها ومقدمة اضمحلالها يبدأ بانحراف الحاكم ، فكم هو فادح أن نجعل من عقيدتنا ( ...ولا نخرج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ) !!! ؟؟؟ وكم هو فادح أيضا الزعم أن هذه هي عقيدة السلف الصالح ؟؟.
تأمّل في مواقف تلاميذ النبي واستحضر في ذهنك مواقف من وصفهم الشيخ مقبــل الوادعي رحمه الله بـ ( عمائم على بهائم ) لتزن بعد ذلك فتاويهم وتحذيراتهم من التطرّف وفكر التكفير :
( عن قبيصة بن ذؤيب أن عبادة أنكر على معاوية شيئاً فقال : لا أساكنك بأرض ، فرحل إلى المدينة ، قال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره بفعل معاوية فقال له : إرحل إلى مكانك ، فقبّح الله أرضا لست فيها وأمثالك ، فلا إمرة له عليك ) ، ( رجاله ثقات ، رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ـ صلاح الأمة في علوّ الهمة ) .
( وعن عبيد بن رفاعة : أن عبادة بن الصامت وهو بالشام مرّت عليه قطارة ( القطارة والقطار أن تشدّ الإبل على نسق واحد خلف واحد ) ، تحمل الخمر فقال : ما هذه ، أزيت ؟ قيل : لا ، بل خمر يباع لفلان ، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ...وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال : ألا تمسك عنّا أخاك عبادة ؟ أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يُفسد على أهل الذمة متاجرهم ، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا !! قال : فأتاه أبو هريرة فقال : يا عبـادة ما لك ولمعاوية ؟ ذره وما حُمّل ، فقال : لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا يأخذنا في الله لومة لائم ، فسكت أبو هريرة ، وكتب فلان إلى عثمان : أن عبادة قد أفسد علينا الشام ) ، ( المصدر السابق نقلا عن السّير ) .
( وعن الأوزاعي : حدّثني أبو كثير عن أبيه قال : أتيت أبا ذرّ وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه فقال : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ فرفع رأسه ثم قال : أرقيب أنت علي ؟ لو وضعتم الصّمصامة على هذه ـ وأشار بيده إلى قفاه ـ ثم ظننت أني أُنْفِذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تُجيزوا علي لأنفــذتها ) ، ( المصدر السابق ) .
{ وحبس معاوية ابن أبي سفيان العطاء يوما ( العطاء : مرتبات ثابتة لجميع أفراد الشعب تُؤدّى لهم من بيت المال ) ، فلما صعد إلى المنبر قام إليه أبو مسلم الخولاني وقال : لم حبست العطاء يا معاوية ؟ إنه ليس من كدّك ولا من كدّ أبيك ولا من كدّ أمك حتى تحبس ؟ فغضب معاوية غضباً شديداً ونزل عن المنبر وقال للناس : مكانكم ، وغاب من أعينهم ساعة ثم عاد إليهم فقال : إن أبا مسلم كلّمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الغضب من الشيطان والشيطان خُلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليغتسل ) ، وإني دخلت فاغتسلت ، وصدق أبو مسلم أنه ليس من كدّي ولا كدّ أبي ، فهلمّـوا إلى عطائكم } . ( صلاح الأمة في علو الهمة ) .
تلك ثمرات قليلة من بستان واسع نضير .
إننا حينما نقرأ التاريخ لا يجوز أن نفصل بين من كتب التاريخ والواقع الذي عاش فيه الكاتب ، وكذلك لا يجوز إغفال تأثير السلطة والسلاطين على كتابة الأحداث ، خاصة عندما نعلم أن بعض الأسر الحاكمة قد تجاوز توارثها للحكم مآت السنين ، بل لقد تكلم الفقهاء عن تَغيّر الفتوى بتغير المكان . إن هناك من النصوص التاريخية في كتبنا تدفعنا إلى الجزم أنها كُتبت مسايرة لهوى الحكام ، فأورثت في الأمـــة ذلاً لن تتخلص منه إلا بمراجعة دينها ، أو كما ورد في الحديث : ( حتى تراجعوا دينكم ) ، وها هي حادثة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما شاهد على ذلك ، فما سجلته الكتب عنها إنما كان وفق ما أملته ظروف المنتصر وما بدا أن المنطق يسمح به ، لكنه بشيء من التأمل يظهر مجافيا للمنــطق ، فإذ لم يستطع أحد أن يقول أن الحق ليس مع الحسين ، قالوا : كان على الحق لكنه أخطأ !!!. ولنا أن نتساءل : كيف سُجِّلت تلك الحادثة ؟ باعتبارها من أهم حوادث الخروج على الظلمة إن لم تكن أهمها ، وكيف تُلقّن للأجيال إلى اليوم ؟...
قبل الإجابة ، أجد أنّ الاستباق إلى تسجيل موقف من الخلاف الشهير والكبير يعدّ أمراً ضرورياً ، كونه يقطع الطريق على من قد يجد لنفسه مخرجاً سهلاً لنبذ فحوى هذا الموضوع وراء ظهره ، فأقول : كما يظهر لي ، أنّ منشأ الخلاف يمكن تحديده و تبسيطه في مسألة واحدة : الشيعة يعتبرون الإمام علي رضي الله عنه الأحق بخلافة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذريته من بعده بوحي ونص ، بينما يعتبر أهل السُّنة والجماعة أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعاً ـ وكما اتفق عليهم الصحابة ـ هم الخلفاء الراشدون الهـادون المهـديون . ونحن إن سلّمنا بالاعتبار الأول ، ألزَمَنا ذلك التسليم تخوين الصحابة بمن فيهم علي رضوان الله عليهم أجمعين ، وحاشاهم ، فتكون النتيجة أن الشيعة برأيي ـ كدعوة مستمرة ـ يكتنفها الغموض ولا تحمل في طياتها سوى الرِّيبة والشك ، بل تهدف إلى هدم الإسلام من أساسه ( وليس هذا تعميماً على العوام منهم والمخدوعين ) ، فالحق المتمثل بالإسلام باقٍ بعد كل من يحمله ويدافع عنه ويموت في سبيله ، فلماذا إذاً لا يُكتفى بالتشيّع للحق المتمثل بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ؟
لو أنني عاصرت الإمام علي رضي الله عنه لوقفت معه ، ولو عاصرت الحسين أو زيداً رضي الله عنهما لوقفت معهما وقوفاً مع الحق لا شيء غيره ، لأن التشيّع لأشخاص قد قضى الله بينهم وبين خصومهم في دائرة الإسلام لا يغذّي سوى الشقاق وفساد ذات البين ، وهي الحالقة للدين ، وكل ذلك منهي عنه شرعاً . أما ادّعاء ورود النصّ في إمامة علي رضي الله عنه وأولاده من بعده فذلك ادّعاء وحسب ، إذ لا يستطيع أيّ من الشيعة أو حتى من غلاتهم إثبات وجود نصّ قطعي الورود قطعي الدلالة في الإمامة ، وإذا كان الله جلّ جلاله قد ذكر اسم زيد رضي الله عنه صريحا في القرآن الكريم في معرض حديث ليس بذات أهمية الإمامة ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) أفلا يذكر عليا رضي الله عنه وأولاده من بعده في قضية تهم المسلمين منذ افتقادهم النبي حتى ظهور المهدي ؟؟!!! بل في قضية تعبديّة ـ كما يزعم الشيعة ـ ؟؟؟ هذا محال . لقد سرد لنا القرآن الكريم كثيرا من القصص وكرّرها حتى أنه ذكر امرأة تجادل في زوجها ، ألا يذكر إمامة علي وأولاده من بعده ؟؟؟ إنما ذلك محض ادّعاء يفتقد الدليل الصحيح .
ونعود للإجابة عن التساؤل المطروح : كيف سُجِّلت حادثة خروج الحسين رضي الله عنه وكيف تُلقّن إلى اليوم ؟ :
كان الحسين رضي الله عنه على الحق لكنّ خصومه كانوا أقوى وأكثر عُدة وعتاداً منه ، نصحه محبوه بعدم المضي في مسيره ، منهم ابن عباس رضي الله عنهما الذي أشار عليه بالتوجه إلى اليمن خير له من العراق لكنه أصّر على موقفه فحدث ما حدث من مأساة له ولأهله ، كان مسيره خطأً فادحاً لكنه رغم ذلك قتل شهيداً !! وكتب الشيخ محمود شاكر في كتابه ( التاريخ الإسلامي ) بالنصّ ما يلي : ( .... قد نصحوا له وبينوا مغبّة سيره إلى العراق ، لكنه كان سائراً إلى أمر الله الذي لابدّ له ، فذهابه غلط لما كان عليه أهل العراق ، ولما يحدث من فتنة ولم يتّضح الأمر بعد ، ولخروجه مع نسائه وأهل بيته وهو يعلم أنه قادم على قتال ، ولخروجه على الحاكم ) . هذا بإجمال ما نقرأه في أشهر كتب أهل السنة ـ وهي كثيرة ـ عن حادثة خروج الحسين رضي الله عنه ، والمتأمل في تلك الكتابات يلحظ أن أهم ما أريد تسجيله ـ بحسب وجهة نظر الكُتّاب ـ هو خطأ خروجه على الحاكم !!! أما بخصوص ( أهل العراق ولما يحدث من فتنة ولم يتضح الأمر بعد ) فكيف يليق برجل في مقام الحسين وأمثاله من صالحي الأمة أن لا يستجيبوا و يبادروا إلى إنقاذ الأمة من الفتنة ؟ وهل كان يليق به التواري والانتظار كما يفعل المتربصون ؟ وأما خروجه مع نسائه فتلك سُنّة قد خرج جدّه للقتال مع نسائه ، وهكذا فلا يبقى من (خطأ ) سوى خروجه على الحاكم !!!.
ومع أنني لم أبحث ولم أتقصّ في صحة روايات تلك النـصائح التي قُدّمت لسيّد شباب أهل الجنّة ، إلا أنني أجد نفـسي مع الحسين رضي الله عنه رافضاً لها ، ولو عاصرته لما ترددت لحظة في المضي معه ، ( مع علمي اليوم بما آلت إليه حادثة خروجه تلك ) ، ذلك أن الأمر حينما يتعلق بمسائل الصراع بين الحق و الباطل ، يصعب كثيراً على أهل الدين الحق أن يلزموا الحياد ، وكيف يتسنّى لنصائح مثل : هم أكثر عُدة وعَتاداً وما شابهها أن تلقى أذناً صاغية عند من يحفظ عن الله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ،
وقوله تعالى ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ؟ ، ويحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصايا الوقوف مع الحق لا يخشى لومة لائم ؟ ويتذكر جيداً مواقف جدِّه صلى الله عليه وسلم في أحد وحنين والخندق ؟.
وإنّ المرء ليتساءل اليوم : كيف تسنى لأقوال فقهاء ـ وإن كنا نجلّهم ـ ( بعدم جواز الخروج على أئمة الجور ) أن تزدهر وتلقى قبولاً عند الناس وهي في نفس الوقت خالية من أدلّة شرعية صحيحة لولا أن قوة السلطان كانت وراء تعميمها وتكريسها ؟.
هل كانت الظروف التي أعقبت مقتل الحسين رضي الله عنه هي التي ساعدت على ذلك ؟ خاصة بعدما زُيّنت تلك الأقوال بحجة الحفاظ على دماء المسلمين ؟ هل وافقت أنفساً تميل إلى السلامة ، فحُفظت الأنفس وبمرور الزمن ضاع الدِّين ؟.
لقد مضى الحسين رضي الله عنه إلى مُراد الله له فنال الشهادة ، وإن المرء ليعجب :
كيف يُلقّن حبُّ الشهادة للمسلمين حتى إذا كانت للحسين رُغِّب عنها ؟ .
وكيف يُمجّد فعل كل شهيد حتى إذا كان فعل الحسين قرأنا ما يُصيب بالإحباط ؟
هل وُجد من يخطّئ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي تحث ابنها عبد الله بن الزبير على الصمود مادام يرى أنه على الحق ؟ والقتال يجري في الحرم وتهدمت من جرائه الكعبة ؟
إن على المسلم أن يعي جيداً أن المصلحة كل المصلحة ، للدين والنفس ، لا تكون إلا بالوقوف مع الحق وليس في الوقوف مع الباطل أو التقاعس عن نصرة الحق أية مصلحة ، فإنما تلك خواطر الجبناء : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ... ) .
إن الإسلام قد حسم أمراً لا يزال الكثير من المسلمين ـ للأسف ـ يخوضون فيه : لقد أوجب الإسلام على كل مسلم مُكلَّف الوقوف مع الحق بحسب استطاعته ، وجعل قتيل كلمة الحق عند السلطان الجائر ـ مجرد قول كلمة الحق ـ شهيداً ، بل ومن سـادة الشهداء ، ولو وقف المسلمون مع الحق ، كلٌّ بحسب قدرته ـ لا بحسب ما يحتمل في تفكيره من نتائج ـ وكما وقف الصحابة رضوان الله عليهم ـ وما أكثر مواقفهم ـ لما تسلّط ظالم ولو تسلّط ما طغى ولو طغى ما استمر ، ولربما كان الإخلال بهذه القاعدة ـ الوقوف مع الحق ـ هو بمثابة البذرة الأولى لفقه الذل وثقافة الخنوع ، ولعلنا نلمس فيما سجله المؤرخون عن حادثة مقتل الحسين رضي الله عنه بداية وضع تلك البذرة في الأرض وسقيها وتنميتها حتى فرّعت أغصانها ولا زالت تزهر وتـثمر برعاية الحكام حتى اليوم ، فبوسع أيّ منّا أن يتصور لو أن مقتل الحسين أدّى إلى تغيير الوضع القائم حينذاك ، كيف كان سَيـُنظر إلى مقتله ؟ ذلك أن التاريخ حينما تكتبه أقلام المنتصرين يختلف عن ذاك الذي يتركه أثر الخصوم ، إن من يتأمل في عبارة : ( كان الحسين على الحق لكنه أخطأ ) سيكتشف أنّ تسجيلها في كتب التاريخ بهذه الصِّيغة كان مكسباً للظلمة لا لأنصار الحق ، فقد أصبح من ( عقيدة ) أهل السنة والجماعة بعد تكريس طويل المدى عدم جواز الخروج علـى الحاكم الظالم ، برغم انعدام الدليل الشرعي الصحيح ، وإلا لكان الحسين وابن الزبير وزيد قد خالفوا الدليـل ، ولم يقل بهذا أحد ، وبناءً على تكريس تلك المقولة ، ها هي الأمــة منذ قرون وحتى اليوم ( تتمتع ) بالحياة في ظل حكم الظلمـة تحاشياً ( لأخطاء ) الحسين وابن الزبـير وزيد وابن الأشعث وغيرهم .


ولعل من المفيد جداً هنـا تسجيـل إطلالة على آخر عهد الإسلام في الأندلس بعد حياة ثمانية قرون لندرك الضرر العظيم الذي لحق بالمسلمين من جرّاء هذه ( العقيدة ) ولنرى أن التراجع مستمر :
( عندما ضعف المسلمون في الأندلس بعدما استعان بعضهم على بعض بالنصارى وانتهى الأمر بحكامهـم أن يشـبهوا إلى حد بعيد حكام اليوم ومارس النصارى عليهم سياسة الإكراه على التنصّر تساءلوا عما يجب عليهم ؟ فقال أكثرهم : ( إلا مَنْ أُكرِه وَقَلـبُه مُطمَئن بالأيمان ) ، سنطاوع النصارى ونخفي إسلامنا إلى أن يأذن الله بأمره ، فتنصرّوا ظاهراً وأخفوا إسلامهم ، وقال القليل منهم : لن نعطي الدنية في ديننا بل نقاتل عليه ما بقينا ، فهل يتربص بنا أعداؤنا إلا إحدى الحسنيين ؟ فلجئوا إلى جبال البشرات الوعرة ولسان حالهم قول الأمير موسى ابن أبي الغسان الذي رفض موقف الملك المتخاذل ، ذلك الذي جمع الناس وكبّر وهو يبكي والناس تردد بعده تكبيره وبكائه : ( الله أكبر هذا قدر الله ) إشارة إلى ضياع ملكه ، قال الأمير موسى ابن أبي الغســـان : ( دعوا البكاء والنحيب للنساء والأولاد ، فنحن رجال ولنا قلوب لا لأجل ذرف الدموع بل لأجل سفك الدماء .. وإنني لأرى عزائم هذه الأمة قد ارتخت وقطعوا أملهم من نجاة هذا المُلك ، فوا الله لقد بقي علينا أشرف الخطتين وهي الموت ، فلنمت إذاً ... ) ، وذهب وقاتل حتى قتل ، وقد كان لمقتله قصة عجيبة جداً في الشجاعة والإقدام سجلها التاريخ واعترف بـها الأعداء من النصارى وسجلوها في كتبهم ، فأما من بقي محتفظاً بإسلامه سراً ، فقال عنهم التاريخ : ( ومضى على ذلك نصف قرن والبغض دفين في القلوب ، والمسلمون المتنصرون يعمدّون أولادهم ظاهراً ، فإذا انصرف القسيس مسحوا عن الولـد مـاء العـمودية ، وإذا تزوج أحدهم أجرى القسيس عقد الإكليل ثم بعد ذهابه عقدوا النكاح بحسب السـنـة الإسلامية ) ، ( ملخص تاريخ الأندلس للأمير شكيب أرسلان بتصرف ) ، ليصبح بعد ذلك من أحفاد من تنصّر ظاهراً من اسمه اليوم ( خوسيه ) ـ وهو الاسم العربي المسلم حسين ـ ليصبح خوسيه أو حسين هذا نصرانياً متـعصباً ومـقاتلاً بضراوة عن اسبانيا والنـصرانية !! ، ولم يكن السبب سوى هوان الجدود العواثر .
لقد مارس ( الأسبان ) سياسة مرحلية ****ة ضد المسلمين الضعفاء ، فمن إشاعة أنهم سيتركونهم أحراراً في دينهم إلى الترغيب في النصرانية فالترهيب فمحاكم التفتيش .
ولقد سجّلت كتب التاريخ أن المسلميـن كانوا يرتدّون عن الإسلام أفواجاً ، حتى أنه كان يسجل في اليوم الواحد ارتداد عشـرات الألوف ، وإن من البلاهـة أن لا نـقارن ما جرى في الأندلـس بما يجري اليـوم فنـتعظ ونعـتبر .
إننا نشهد لحكام اليوم تعاوناً مع النصارى أشدّ من ذاك الذي جرى في الأندلس ، وإن حرب النـصارى اليـوم على الإسلام باسم مكافحة الإرهاب أشد من تلك التي جرت في الأندلـس من حيث خبث الأسلوب والوسائل ، وفي حـين كانت الحجة في الأندلس ( قدر الله ) ، هي عند حكام اليوم أمام محكوميهم ( عدم القدرة ) ، مع أن الحقيـقة هي عدم الرغبـة ، فماذا لو تطورت الأمور وركبـت أمريكا رأسها ( والأمر غير مستبعد ) وقالت : إما أن يـتـنـصّر المسلمون ـ أو يفـنوا ؟ ألآ يـبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه ؟ لقد اقـترح أحد الكتاب الأمريكان على حكومتـه بضرب ( مكة ) بقنبلة نووية ، فمن يضمن أن لا يأتي رئيس أمريكي يأخذ بهذا الاقتراح أو يهدد به فعلاً ؟ كيف حال أفراد الأمـة ؟ هل هم محصنون عقدياً بما يكفي لمنع تنصّر أعداد كبيرة منهم ؟.
لقد قرأنا في الصحف أن دولة يهود في فلسطين رفضت طلب مجموعة من المسلمين ( التهوّد ) !! . إن السياسة الإعلامية المطبقة حالياً في بلدان المسلميـن قد جعلت كثيراً من أبناء الإسلام شغوفيـن بنمط حياة النصارى واليـهود ، فإذا ما استخدمت القوة إلى جانب هذه السياسة الإعلامية ، فإن حدوث كارثة أمر محتمل جداً ، ومادام التـشابه قائماً بين ولاة الأمر اليوم وولاة الأمر في الأندلس بالأمس ، فإن احتمال تماثل المصير أمر يوجب الخوف .
قال ابن حزم في ملوك الأندلس وحرصهم على عروشهم : ( والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشـية أمورهم ، بادروا إليهم ، فنحن نراهم يستمدّون النصارى فيمكنوهم من حرم المسلمين وأبنائهم ، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقـيس ) ( صلاح الأمة في علو الهمة للعفاني ) ، ولابن خلدون في مقدمته كلام مشابه ، وقال ابن القيم : ( أيّ دين وأيّ خير فيمن يرى محارم الله تُنتَهك وحدوده تضاع ودينه يـترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق ؟ وهل بليـّة الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاة بما جرى على الدِّين ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذّل وجدّ واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه ) ؟ !!!. ( أعلام الموقعين لابن القيم ) .
إنّ بإمكاننا تسويد آلاف الصحف بكلام مشابه عن فساد حكام اليوم ليس فيه أدنى مبالغة ، لكن على العكس تُسوّد آلاف الصحف بكلام مخالف تماماً يتولّى شأنه جيش النفاق ( عناصر فقه الذل وثقافة الخنوع ) من علماء ومشايخ ومثقفين وساسة وغيرهم .
{ ولقد أصبح للقوى المناهضة للإسلام اليوم في جميع أنحاء العالم الإسلامي ( كما ورد في الظلال لسيد قطب رحمه الله ) جيشاً جراراً من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين ـ وأحياناً كتَّاب وشعراء وفنانين وصحفيين ـ يحملون أسماء المسلمين ، لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة ! وبعضهم من ( علماء ) المسلمين ! ، هذا الجيش الجرار من العملاء مُوجَّه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب ، في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة ، وتوهين قواعدها من الأساس ، والتهوين من شأن العقيدة والشريـعة سواء ، وتأويلها وتحميلها ما لا تطيق ، والدقّ المتصــل على ( رجعيتها ) والدعوة للتفلت منها ، وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقاً عليها من الحياة أو إشفاقاً على الحياة منها ! وابتداع تصورات ومُثُل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومُثُلها ، وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية ، وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخرّ في الوحل الذي ينـثرونه في الأرض نـثرا ! ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرّفون النصوص } ! ( من تفسير سورة آل عمران ) .
لقد شاع في الأمة فقه ذل وثقافة خنوع بحيث أصبحنا اليوم دون سائر الأمم يتحكم في شؤوننا ومصائرنا أفراد ـ مجرد أفراد ـ واحد تلو آخر ، استطاعوا بامتطاء دبابة أو بعون عدو أن يكونوا هم الملهمون وهم المنقذون وهم الذين ليس كمثلهم !!! وإن مما يحزّ بالنفس أن شعوباً كانت إلى الأمس القريب غارقة في التخلف ، أصبحت اليوم تُشَاهد وهي تُجبر حكامها على الاستقالة ، بل وتحاكمهم وتفرض القيود عليهم كما في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وكثير من دول أفريقيا ، وأصبح منصب الرئيس عندهم مجرد خانة وظيفية يشغلها اليوم هذا وغداً ذاك أومن ليس له علاقة بهذا أو بذاك ، بينما نرى شعوبنا تمضي إلى حيث يشاء حكامها ، تقبل العيش الذليل بصبر لا ينفد ، أحرار في قبضة الحاكم لكنهم مع ذلك يسبحون بحمده ، إن أباح لهم الكلام شكروه وإن منعهم صبروا ، يخاطبهم عبر أجهزة إعلامه كالساحر ، فيسلب منهم العقول ، يرون إخواناً لهم يذبحون كالنعاج وأعراضهم تنـتهك كأرخص ما يكون وأموالهم تسلب ، ولا تراهم يعملون شيئاً غير ترطيب ألسنـتهم بالأغاني والرقص تحت قباب التسامح وكأن الله قد سلب عقولهم !!!.
شخص واحد في ديار العرب يضع كل العسكريين والسياسيين والمثقفين والعلماء والمشائخ ، يضعهم جميعاً تحت إبطه كما يضع العصا ، ويقضون حياتهم في خدمته مقابل انتفاع مادي ومعنوي يشبه انتفاع الخادمة في بيت الموسر ، في وقت لم يعد ذلك ممكناً في مكان آخر ، هل ذلك إلا نتيجة شيوع فقه ذل وثقافة خنوع أفسد الرّعايا ؟.
ما ضرّ هذه الأمة غير أهل الزيف من أرباب الشهادات والثقافات صنّاع الطغاة وأحذية السلاطين . إن الطاغية يستعين بدكتور أو مهندس أو عالم أو ضابط أو مثقف فيجعله وزيراً أو مسؤولاً كبيراً وما هو في حقيقة الأمر إلا حذاء يلبسه عام أو عامين ثم يرمى به ويلبس غيره ولا يبالي ، وليس لذلك الحذاء من هم سوى أن يمتلئ : دار وداران وثلاثة ، رصيد ورصيدان وثلاثة وهكذا .
جاء في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله : ( فساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه ، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر ) ؟.
من يُصدّق أننا سنقرأ لأدباء ومثقفين عرباً يعقدون المؤتمرات ويتسابقون في الدعوة إلى التطبيع مع يهود والتنظير لفوائده في وقت ما تزال فيه خنجر يهود في خاصرة الأمة ؟ ( جماعة كوبنهاجن ) .
من يُصدق أننا سنقرأ فتاوى لعلماء إسلام تجيز للمجند الأمريكي ( المسلم ) قتل مسلمين أبرياء طاعة لقائده الكافر ؟.
من يُصدّق أننا سنقرأ لقادة مؤسسات تعليمية دينية مثل هذا الهراء : ( من الأخطاء الكبيرة التي نرتكبها بحق أنفسنا وفي حق الآخرين أن نصنف علاقـتنا بالغرب عامة أو بأمريكا خاصة بالعداء ، بل إن ذلك من الخطورة التي تصل إلى حد التهلكة والانتحار أو العزلة والتهميش ، والسماح بوصول العلاقة إلى حالة العداء ، يعني أننا على استعداد للتفريط بكل المنجزات التي حققناها !! والتنازل عن مستوى المعيشة التي نحياها !! لنقبل بمستويات عيش لدول صنفت بمعاداة أمريكا كالعراق والسودان سابقاً وإيران ، بل إنه من الحماقة أن نترك الخلافات المتعلقة بقضية الصراع العربي الإسرائيلي لتدفعنا إلى حافة الهاوية ... أمريكا حكـومةً وشعباً لا تُعَادي الإسلام ولا المسلمين ... ما المانع أن تدعم أمريكا الباكستان من أجل تغيير المناهج ؟ فالتطرف والدعاء بتدمير النصارى أعداء الإسلام أصبحت لازمة لدى بعض الخطباء ... ) ، ( د . عبد الحميد الأنصاري ، عميد كلية الشريعة بقطر نقلاً عن ( مجلة البيان ) العدد ( 172 ) .
كم صَدق سيد قطب رحمة الله حينما قال : ( والنفس التي تستذل تَأْسن وتَتَعفّن وتُصبح مرتعاً لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة ومَيداناً للإنحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك وفُقدان الهمة والتطلع والإرتفاع ، وهو فساد أي فساد ) ( الظلال ـ تفسير سورة الفجر ) .
إنه دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ملة إبراهيم عليه السلام ، وللمسلم أن يتأمل جيداً في سيرة إبراهيم أسوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ثم يراجع التراث المتراكم من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصالحي هذه الأمة من بعده ليرى أن الوقوف مع الحق مهما كانت النـتائج هو النجاة في الدارين وأن الوقوف مع الباطل أو التقاعس عن نصرة الحق بشتى الأعذار ، ما هو إلا استجابة لفقه الذل وثقافة الخنوع التي تتشكل من مواقف مشايخ ( ونواب شعب ) ومثقفين وساسة وقادة منظمات ونقابات وغيرهم ممن يفترض أن يكونوا هم أدوات الإبتلاء فالتغيير فلاحول ولاقوة إلاّ بالله.
لقد كان العلم من صفات الحاكم المسلم وشرط ولايته ، مع تمتعه بقدر كبير من الشجاعة والحلم وغيرها من الصفات الحميدة ، ومع مرور الزمن تلاشت عن أهل الحُكم تلك الصفات شيئاً فشيئاً حتى انتهت فاستبدلت بنقيضها .
لقد كان – على سبيل المثال – من بين حكام الأندلس ( المعتمد ابن عباد ) من قال :
إن يـسـلـب الـقـومُ الـعـدى مـلـكـي وتـُسـلـمـنـي الـجـمـوعُ
فـالـقـلـب بـيـن ضـلـوعـه لـم تـُسـلـم الـقـلـب الـضـلــوع
قــد رمــتُ يــوم نــزالــهــم أن لا تــحـصـّـنـنـي الـدروع
وبـرزت لـيـس ســوى الـقـمـيـص عـلـى الـحـشـى شـيء دفـوع
مـا ســـرت قـطّ إلـى الــقــتـال وكـان مـن أمـلـي الـرجــوع
شــيـم الأُلــى أنـا مــنــهــمُ والأصـل تـتـبـعـه الــفــروع
وإذا كان منهم من قال هذا الشعر ، فقد أتى الزمان بحكام يعجزون عن تركيب جملة مفيدة واحدة ، ناهيك عن قول الشعر أو منازلة الأعداء ، ومع ذلك فليس هؤلاء الحكام إلا إفرازات شعوبهم .
وَرد في كتاب ( صحيح مرويات حذيفة ابن اليمان في الفتن وأشراط الساعة ) لمؤلفه / عصام موسى هادي – الصادر عن المكتبة الإسلامية ما يلي : ( عن حذيفة رضي الله عنه قال : كيف أنتم إذا انفرجتم عن دينكم كما تنفرج المرأة عن قُبلها لا تمنع من يأتيها ؟ قالوا : لا ندري . قال : لكنيّ والله أدري ، أنتم يومئذ بين عاجز وفاجر ، فقال رجل من القوم : قَبـُحَ العاجز عن ذاك ، فضرب ظهره حذيفةُ مراراً ثم قال : قبـُحت أنت قبـُحت أنت ) ( رواه إبن أبي شيبة والحاكم والدارمي ونعيم ) .
اللهم إنّا نبرأُ إليك من فجور الفجرة ونعتذر إليك عن تقصير العجزة .
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .

وكتبه الفقير إلى عفو ربه تعالى :
عبد الله أحمد المـؤذن
شهر محرم الحرام / 1424هـ _ الموافق لمارس / 2003م
 
 

الأخبار السريعة

انقل لحضراتكم من منتدى الكاشف لصاحبه سليمان الخراشي 
(الله أعلم به إن كان جامي أم سروري أم ما هي ملته بالضبط لكنه يلعب على الكل)